سليمان الدخيل
83
كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد
ويذكر ابن طيفور « 1 » أن الفضل والحسن ابني سهل عنيا بالعمارة وكان لا ينزلان من المنازل إلا أطراف البلدان ، وقد أوضح الحسن السبب في ذلك فقال - الأطراف منازل الأشراف ، ينتاولن ما يريدون بالقدرة ، ويتناولن ما يريدون بالحاجة . عنى شعب بغداد بتشييد الدور الفخمة خصوصا أهل اليسار منهم وكانت تشتمل في الغالب على طابقين ومبنية بالجص والآجر ، وتحاط بأسوار ، وأقاموا فيها أحواض ماء ، زرعوا حولها بعض الأشجار والزروع ، وأقاموا على الأحواض عمدا مزخرفة من الرخام ، معقودة بقباب من فوقها ، نقش عليها آيات قرآنية . أما العوام فكانت منازلهم بلا أسوار وتتكون في الغالب من طابق واحد وتطل نوافذها على الشوارع مباشرة « 2 » . أخذ العباسيون عن الفرس العمل على تخفيف حرارة الشمس صيفا فكانوا يغطون بيوتهم بطبقة من الطين . تجدد في كل يوم ، يقضى أهل المنزل وقت الظهيرة فيه ويرصف حول البيت كميات كبيرة من القصب « 3 » . كذلك يسر الخلفاء وصول المياه إلى القصور والدور فأنشأوا جداول في بغداد تأخذ من دجله والفرات ، وكانت الرحاب والشوارع تكنس وترش بأحسن نظام ، ولم يكن يسمح قط بالقاء القاذورات على جانبي الشوارع والأزقة ، وكانت الشوارع تضاء بالمصابيح ليلا « 4 » . حرص أهل بغداد على تزيين مجالسهم بالفرش الفاخرة والأثاث وكانوا يكسون حيطان بيوتهم بالدبياج ، ويعنون بفرش الأشجار والأزهار في حدائق منازلهم ، ويحليون الرياحين من بلاد الهند . والخلاصة أن مدينة بغداد عظم فيها العمران في العصر العباسي الأول حتى أن ضفتي دجلة أقيمت فيها القصور الفخمة والحدائق والمنتزهات البديعة والأسواق العامرة والحمامات الجميلة والمساجد الفخمة .
--> ( 1 ) فضائل بغداد : ص 72 ( 2 ) الطبري : تاريخ الأمم والملوك حوادث سنة 158 ه . ( 3 ) سيد أمير على : مختصر تاريخ العرب ص 383 . ( 4 ) سيد أمير على : مختصر تاريخ العرب ص 383 - 384 .